الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
105
نفحات القرآن
تمهيد : توصّلنا فيما سبق من أبحاث إلى إثبات وجود اللَّه سبحانه بطرق مختلفة ( خمسة أدلّة عقلية رئيسة ) إضافةً إلى طريق الفطرة الذاتية . الآن وبعد الإيمان بأصل وجوده سبحانه فإنّ البحث يدور حول معرفته ، والموضوع المهمّ فيه هو بحث التوحيد والوحدانية ، لأنّه من جهة يعتبر أصلًا لبقية الصفات ، ومن جهة أخرى يشكّل الأساس في كلّ الأديان السماوية خصوصاً القرآن حتّى أنّ أغلب ما تتضمّنه هذه الكتب السماوية بصدد وجود اللَّه تدور حول محور هذا البحث ، إلى الحدّ الذي ظنّ فيه البعض بأنّ القرآن لا يتحدّث عن ( أصل وجود اللَّه ) بل إنّه يتحدّث عن توحيده والاستدلال على ذلك ، وهذا الكلام مبالغ فيه . ومن جهة ثالثة تُستمدّ جميع العقائد الإسلامية والأحكام والقوانين والأمور الاجتماعية والأخلاقية والعبادية من هذا الأصل ، لذلك أولى القرآن الكريم اهتمامه الخاصّ لقضيّة ( التوحيد والشرك ) وعكس القرآن برمّته النظرية الإسلامية بهذا الصدد ، بل يمكن القول بعدم وجود موضوع حَظِيَ بهذه الدرجة من الاهتمام في القرآن الكريم مثلما حظي بها ذلك الموضوع . كما أنّ قضيّة التوحيد ومحاربة الشرك لم تكن محوراً أساسياً في حركة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فحسب ، بل وفي حركة سائر الأنبياء عليهم السلام . بهذا التمهيد نطّلع أوّلًا على عِظم معصية الشرك في القرآن المجيد ، ثمّ نذكر الأدلّة القرآنية المختلفة على إثبات حقيقة التوحيد وبطلان الشرك . في البدية نتأمل خاشعين في الآيات الآتية :